حين أهدَتْنى د. سونج جيا باي؛ «الصينية الجنسية»، منذ أيامٍ، عُلبةً من الشاى الصينى الفاخر؛ تذوقتُه؛ فوجدت له رائحة ومذاقًا مختلِفًا ومتفرِّدًا، ثم قرأت عنه؛ لأعرف بعض التقاليد الصينية العريقة والمميزة للشاى وأنواعه، حينها شعرت أننى اقتنيت تحفةً نباتية دقيقة. فهذه الأوراق البِكر، والبراعم الصغيرة، مقطوفة بتأنٍّ، قبْل هطول المطر، وشِدة حرارة الشمس، البراعم التى جُمعت قبْل أن تكتمِل فيها قسوةُ النضج، والتى يحفظونها بعناية فائقة فى عُلَب ذهبية محكَمة، والتى تحمل سِحرًا فريدًا، يتجلَّى لحظةَ تلامُس الماء الدافئ لمَسامها؛ إذ تبدأ – بما يُعرف فى التقاليد الصينية – بـ«رقصة الأوراق»، حيث تتفتَّح البراعم الصغيرة الرقيقة ببُطء؛ لتطلِق نكْهتها الزهريةَ العِطرية، التى لها رائحة البكارة.وهنا سألتُ ذاتى: هل بإمكاننا تجفيف جَمال البدايات فى كل شيء، كما فعلوا مع براعم شجر الشاى، والاحتفاظ بها؛ لنتمكَّن من أن نرويَها بالمياه والحياة، مَرَّةً أخرى، وكلَّما أردنا؟فى هذا الطقس المتأمل – الذى يتطاير على أجنحة أوراق الشاى المرهفة – يكمُن درْس وجوديٌّ عميق عن قيمة البدايات، وعن ذلك الجَمال الرائق المدهِش، الذى ينطوى عليه دائمًا «أول الأشياء»، قبْل أن يطاله التكرار والاعتياد، ثم يدرِكه التيبُّس.
ــ لكل بداية، رِقةُ البراعم
تُحمَل الحياة فى جوهرها، على لحظات التفتُّح الأولى. فتمامًا كتلك البراعم الغضة، التى تحمِل فى طيَّاتها وعودَ الحدائق، وثمارها الشهية، تحمل بدايات الأشياء طاقةً بِكرًا، لا تتكرر ولا تعوَّض. إن جَمال الأشياء – فى طَور تفتُّحها الأول – يكمُن فى عُذريتها الدلالية، فى خلوِّها من أعباء التمرُّس، ومن قسوة اليقين المفرِط. إنها منطقة الدهشة المنفلِتة، والنقية معًا؛ حيث تكون الحواسُّ فى أقصى درجات يقظتها، واستعدادها للتلقي؛ وحيث تشبه الروحُ ورقةَ الشاى الأولى، التى لم تمَسَسْها ريح عاتيةٌ، ولم يحرِقْها لهيبُ الظهيرة، ولا طوَّحت بها حَبَّات مطر ثقيلة.
ولطالما عالَج الأدب وفنون السرد هذا المعنى النقيَّ البِكر؛ ففى رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، نجد أن السقوط والانكسار لا يُفهمان عميقًا، إلا إذا فهمنا ذاك النقاءَ الأول، الذى انطلق منه البطل، قبْل أن تشوِّهَه خياناتُ البيئة المحيطة به. ولعلنا نلاحظ عودة السرد العظيم، الدائمة، إلى لحظات الإنسان الفارقة فى عُمره؛ ليستلهِم من «البدايات»، لا بوصْفها نقطةَ انطلاق زَمنية؛ بل بوصْفها الفردوس الدلاليَّ المفقود، الذى يحاول الكاتب استعادته، عبْر الحفْر فى طبقات الذاكرة.
ــ الطفولة؛ والحدائق السِّرية الأولى
وأحسب أن جَمال الطفولة لا يتبدَّى فقط فى براءة الملامح، بالرغم من جَمالها الباذخ؛ بل فى تلك القُدرة المتكررة على الدهشة العفوية، تلك التى تسبق تلوُّث العالم بالمصلحة، والتأويل، وأطنان الشكوك. فالطفل يرى الوجود وكأنه يُخلق أمامه لأول مَرَّة؛ فكل شجرة هى حكاية قائمة بذاتها، العصافير، والورد، والحيوانات، وكل قطرة مطر، كل شيء يبدو كمعجزة هابطة من السماء، وكل سؤال بريء يطرحه هو حفرة عميقة فى جدار المسلَّمات، نبحث من خلالها عن معانى الوجود الكبرى.
يلتقط (تولستوي) – فى سيرته الذاتية الروائية «الطفولة والمراهقة والشباب» – أولَ الشعور بالوجود والمعانى والأشياء، بدِقة متناهية، مبيِّنًا كيف أن تلك اللحظاتِ الأولى – من صفاء الروح – تكون بمثابة البوصلة الخفية، التى يوجِّه الإنسان بها بقيةَ سنوات عُمره العاصفة، ومن خلالها يتكوَّن وعيُنا الدائمُ، الذى يظل يرافقنا إلى الموت. تمنحنا الطفولة – فى بهائها الخالص – قدرةً أصلية على التلقى، بلا أحكام مسبَقة، وتترك فى داخلنا مخزونًا عاطفيًّا وجَماليًّا، نظَل نلجأ إليه كلَّما أثقلتنا التعرُّجات وقسوة التأويل.
كما تتربع بدايات قصص الحب والصداقة على عرش البهاء المطلَق. تلك اللحظات الأولى من الارتباك الجميل، من التحليق فوق الخطوات والأرض، من التلعثم اللطيف، والحياء الرهيف، والرغبة فى اكتشاف الآخَر، كأنه قارة مجهولةٌ ليست على الكُرة الأرضية، بدايات مثل أول لمسة يد بين حبيبَين، وأول قُبلة؛ حيث الشعور والمذاق الذى لا تتكرر حلاوته.
هذا الطوفان الشعورى الذى لا يُضاهَى به أيُّ شيء آخَر، مهما حملت سنوات العِشرة من جَمال. وكلَّما كانت بدايات الحب رائعة وفياضة، بالتقارب والحوار والأنغام، وكلَّما حملت من أحداثٍ ومواقفَ، وتجاوُز للصعوبات دون أنانية؛ كلَّما تركت – على القلب والروح – بصماتٍ من الصعب للغاية التفريط فيها، أو نسيانها.
القليل للغاية من قصص الحب يندم الإنسان إن لم يمُر بها؛ حيث أنها تفتح روحَه على مسافات وجودٍ ومشاعرَ أكثرَ اتساعًا من حياته، لن يمُرَّ بها دون تجربة الحب هذه؛ أيْ أنها علاقة فارقة فى الحياة، نصبح حين نخوضها أكثرَ ثراءً إنسانيًّا وأكثر وعيًا.
فى الكثير من السرديات العربية والعالمية، نرى كيف تنير لحظات الحُب الأولى واللقاءات العاطفية البِكرُ الأماكنَ، وتكسِبها الجَمال والوهج والدفء، سواء فى باريسَ، أو فى أزقة القاهرة القديمة، أو الإسكندرية، أو قرطاج، ويظَل هذا الألق الساحر يلاحِق الشخصياتِ طوال حياتهم، وكأن الفنان يؤكد على أن الإنسان يتغذَّى طوال عمره على حلاوة تلك اللحظات وفرادتها، تلك التى التقت فيها العيون أول مَرَّة على عتبات الدهشة. فالحُب ليس مجرد إعجاب عابر؛ بل هو إعادة صياغة جذرية للكون، أن ترى بعينين جديدتين، حينها تبدو الأيام أطفالاً ركضوا طويلاً فى حقول الضوء، وحلموا.
كما البداية فى الصداقة أيضًا، حين تتشكل خيوطُها الأولى من الإشارات الصغيرة والمشترَكة، وتشبه تمامًا ذلك المزيج العطريَّ الدافئ، الذى يرتاح إليه الإنسان؛ فالصديق الحقيقيُّ لا يتركك مهمومًا أو منشغل البال؛ بل يسعى طيلة الوقت لراحتك، يبدِّد لك همومَك، ويتركها صغيرة أمام عينيك، ليقنعك أنك أكبرُ من كل الأشياء، أو أن الأشياء ذاتَها لا قيمة لها، هذه الصداقات – إن وُجِدت فى حياتنا – تظَل محمَّلة بنكْهة فريدة لا تتكرر، تُشعرك بأن لك بيتًا آخَرَ، ستجد فيه أمانَك، هناك مَن سيحنو عليك، ويقدِّر ما تقول، ويبذُل وقتَه وجهده؛ كى يستمع إليك، دون أن يحمِّلك همومَ هذا الكون، هناك مَن ستثق أنه سيصدقك، ولن يتمنَّى سوى سلامك الداخليِّ، الصديق والطريق كلاهما وعد بسنفونية التواصل الرائق.
ــ ارتعاشات الاكتشاف، هناك دائمًا المَرَّة الأولى، التى لا تُنسى.
هناك قائمة سِرية ومقدَّسة فى ذاكرة كل كاتب، وكل إنسان، عنوانها المبهِج «المَرَّة الأولى». إنها اللحظات التى تتكسر فيها مرايا العادة، وينفتح فيها الوعيُ على آفاق جديدة، حين تقع أعيننا – للمَرَّة الأولى – على أفق البحر، الممتد بلا انقطاع؛ فنشعر كأن صدورَنا تتسع لكل مياه العالم وأسراره، حين تتوحَّد مع جناحَى طائر محلِّق، أو شِراع ينساب من بين الأمواج، أو حين تعتلى قمة جبل هائل، إنها لحظات الانعتاق الروحى من أسْر الجسد، تلك التى لا يعادلها جَمال فى الوجود.
للسنيما أيضًا سِحرها الخاص كما للأدب؛ فحين تشاهد فيلمًا فارقًا، أو تقرأ نَصًّا أدبيًّا، يغيِّر خريطتك الفكريةَ، ويهز شيئًا مستقِرًا فى أعماقك، فيترك أثرًا لا يمحوه التقادُم، مثلما أغنية رقراقة تلامس وترًا خفيًّا فى الروح؛ فتظَل تردِّدها كتعويذة أبدية، تقيك من وحْشة الواقع وقُبح الروتين.
هذه اللحظات الأولى لا تتركنا أبدًا؛ بل تبقى راسخة فى عمق الذاكرة، كالبراعم الجافة، التى تنتظر فقط قطرةَ ماءٍ دافئة، لتعود وتتفتح من جديد بكامل رونقها وخصوبتها الأولى.
هذا الشاى المميَّز، بأوراقه البِكر، وبراعمه التى تتفتح على مَهل فى صفاء الزجاج، يقدِّم ربما فلسفة حياة قائمة بذاتها. يذكِّرنا بأن أجملَ ما فى الوجود هو ألَّا نتحجَّر، تمامًا كالأوراق التى تتفتح فى الإناء الشفاف، لتمنحنا عصارةَ بَهائها وعطرها الخالص، ليتنا نملك كل حين شجاعةَ البدايات، ونقاء الطفولة، ودهشة الاكتشاف الأول، لنُغْنى أرواحنا الباحثةَ أبدًا عن جوهر الحياة وجمالها الكامن بكل الأشياء، مهما صغرت أو كانت كبيرة.
د. أماني فؤاد – المصري اليوم
كانت هذه تفاصيل خبر أسرار البراعم الأولى.. لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على كوش نيوز وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
