اليابان | «لم أعد إنسانًا».. كيف تحولت رواية دازاي أوسامو إلى ظاهرة أدبية في كوريا الجنوبية؟

Advertisements

تحولت رواية «لم أعد إنسانًا» للكاتب الياباني دازاي أوسامو إلى ظاهرة لافتة في سوق النشر بكوريا الجنوبية، ولا سيما بين القراء الشباب. وفي هذه المقالة، يحلل الباحث في الأدب كيم يونغ-أن أسباب الجاذبية التي تتمتع بها الرواية، بوصفها إحدى أبرز كلاسيكيات الأدب الياباني التي تناولت العزلة والتهميش وأزمة الانتماء.

ارتفاع مفاجئ في المبيعات

وصلت الترجمة الكورية الجنوبية للعمل الأدبي الكلاسيكي ”لم أعد إنسانا“ للكاتب دازاي أوسامو إلى طبعتها الثانية والأربعين بعد المائة، بعد أن تجاوزت مبيعاتها 600 ألف نسخة، وذلك وفقا لما أفاد به أحد الممثلين عن دار النشر ”مينومسا“. وعندما أصدرت الدار هذا العمل لأول مرة ضمن سلسلة الأدب العالمي عام 2004، لم تكن تتوقع أن يحقق نجاحا لافتا ولا حتى أن يشهد نموا في مبيعاته، لذا شكل الارتفاع السريع في الإقبال عليه بدءا من عام 2021 مفاجأة كبيرة لها. وتعتبر هذه الشعبية المفاجئة حدثا غير مسبوق في تاريخ النشر في كوريا الجنوبية.

وعند صدوره لأول مرة، لم يحظَ العمل باهتمام يذكر، فبدلا من الاحتفاء به بوصفه أحد الأعمال الكلاسيكية، تعرض لانتقادات حادة باعتباره قصة كئيبة تدور حول بطل يقضي أيامه بلا هدف، ويعيش حياة مظلمة ومنحلة وخالية من أي إنتاجية.

ولكن اكتسبت رواية ”لم أعد إنسانا“ شعبية واسعة بين القراء الكوريين الشباب خلال السنوات القليلة الماضية. وقد صدرت ترجمتي إلى الكورية الجديدة للرواية في شهر مايو/أيار الماضي. وأود هنا استكشاف الأسباب التي جعلت هذا العمل يتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا، من خلال التعرف إلى سمات قرائها والتأمل في عناصر الجاذبية التي تنطوي عليها الرواية نفسها.

حياة قائمة على المنافسة

انصب الاهتمام في كوريا الجنوبية مؤخرا على فئة ”العشرينيات والثلاثينيات“، وهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاما. ولم تعد هذه الفئة تعد مجرد جيل عمري فحسب، بل أصبح ينظر إليها بوصفها ظاهرة اجتماعية بحد ذاتها.

ولد أبناء هذا الجيل بعد أن حققت كوريا الجنوبية ازدهارا اقتصاديا، ورغم أنهم لم يعيشوا حياة فقر، لكنهم منذ طفولتهم في ظل منافسة لا تهدأ. وعلى الرغم من تمتعهم بمستويات عالية من التعليم والمهارات، إلا أن دخولهم سوق العمل تزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي، ما جعل آفاق التوظيف أمامهم قاتمة.

وبدلا من الادخار للمستقبل، يفضل كثير منهم التركيز على الحاضر، متأثرين بفلسفة ”YOLO“ التي تعني ”أنت تعيش مرة واحدة فقط“. وحتى عندما يحصلون على وظيفة، فإنهم لا ينظرون إليها باعتبارها مكانا سيقضون فيه بقية حياتهم المهنية. بل هي مكان لتحقيق الذات وكسب الرزق، ولأنهم لا ينوون تكريس حياتهم للعمل، فإنهم يولون أهمية كبيرة لتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. ومع أنهم يعرفون بالذكاء والكفاءة، إلا أن الأجيال الأكبر سنا كثيرا ما تنتقدهم بحجة افتقارهم إلى ”روح الكفاح“.

ولكن بمجرد أن ينجذبوا إلى أمر ما، فإنهم يُظهرون مستوى مذهلا من الالتزام والتفاني. فهم لا يضيعون وقتهم في التجمعات التي يرونها عديمة الجدوى، بل يكرسون طاقتهم بالكامل لتطوير أنفسهم وصقل قدراتهم. ونظرا لأن مفهوم ”التوظيف مدى الحياة“ قد أصبح جزءا من الماضي، فقد باتت كفاءاتهم الشخصية هي الركيزة الوحيدة التي يمكنهم الاعتماد عليها، لذا فهم يبذلون قصارى جهدهم لبناء هوية قوية ومستقلة.

ويتجلى ذلك بوضوح في إقبال أبناء هذا الجيل الذي تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عاما بحماس على شراء الكتب والأعمال الأدبية وقراءتها بشغف. وتشير إحصاءات وزارة الثقافة والرياضة والسياحة إلى أن هذا الجيل يشكل ما بين 40% و45% من إجمالي مشتري الكتب في السوق الكورية، وما بين 60% و70% من مشتري الكتب الإلكترونية.

وقد ازدادت شعبية رواية ”لم أعد إنسانا“ بفضل إصدار فيلم الأنمي ”هيومان لوست“ عام 2019 المستوحى من الرواية، ثم عرض الدراما الكورية الجنوبية عام 2021 التي حملت عنوان الرواية نفسه. كما ساهم الانتشار الواسع للمحتوى المتعلق بالرواية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وموقع يوتيوب في وصولها إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا في عام 2021.

معاناة مشتركة

كيف استطاعت رواية ”لم أعد إنسانا“ أن تأسر قلوب أبناء جيل العشرينيات والثلاثينيات؟

تواجه بعض النساء في العشرينيات والثلاثينيات من العمر ضغوطا غير معلنة تفرض عليهن الحفاظ على ابتسامة دائمة في أماكن العمل أو كبت مشاعرهن الحقيقية عند التعامل مع العملاء. ومع تعرضهن للإجهاد المزمن بسبب العمل، يشعرن بثقل الاضطرار إلى تقديم الشخصية المرحة والمتفائلة التي يفرضها المجتمع عليهن باستمرار. ولهذا السبب، تلامس شخصية أوبا يوزو بطل الرواية، الذي يرتدي قناع المهرج لإخفاء آلامه، مشاعرهن بعمق.

ومن بين تعليقات القراء ”بدا الأمر وكأن أحدهم قرأ ما يدور في ذهني وسجله على الورق، لقد أصابني ذلك بالقشعريرة“، و”رأيت نفسي في هذه الشخصية، معزولا عن المجتمع، ومتجها نحو تدمير الذات في عزلة“.

وبالنسبة لبعض القراء، تشكل حالات اللامبالاة والإرهاق والوعي المؤلم بالذات واليأس وخيبة الأمل والشعور بالاغتراب التي يعاني منها يوزو مشهدا ذهنيا حيا، وربما وجد كثيرون أنفسهم يتعاطفون معه. إذ إن عيشه بلا هدف وانغماسه في الملذات ومحاولاته للانتحار وتعاطيه المخدرات، كلها تبدو وسيلة تتيح للقراء التنفيس عن إحباطاتهم والهروب مؤقتا من مشاكلهم الخاصة، ولهذا السبب يواصلون قراءة الرواية حتى الصفحة الأخيرة وهم يحبسون أنفاسهم ترقبا.

وتشمل التعليقات الأخرى عبارات مثل ”أدركت أنني لست الشخص الوحيد الذي يعاني“، و”في الرواية، لا يبدو يوزو شخصا غريبا جامدا أو بلا روح، بل كصديق مقرب يقف بجانبي، يمكنني أن أبوح له بما في داخلي وأفرغ أمامه غضبي وأشعر بصلة وثيقة تربطني به“.

وفي تعليقات أخرى ”لا أطيق رؤية يوزو بكل هذا القدر من الرقة والهشاشة“، يمكن للقارئ أن يلمس شعورا بالشفقة تجاهه وهو يسير في طريقه إلى تدمير ذاته، بل وحتى نزعة أمومية تدفع إلى حمايته.

شعبية امتدت إلى العالم الناطق باللغة الإنجليزية

ترجمت رواية ”لم أعد إنسانا“ إلى اللغة الإنجليزية عدة مرات. ولكونها قصيرة نسبيا وذات أسلوب مباشر وصريح يشبه الاعترافات، استطاعت أن تجذب كثيرا من القراء الغربيين. ويبدو أن أولئك الذين يعانون من عبء ما يفرضه المجتمع من توقعات، يجدون أنفسهم متعاطفين مع التصوير الصريح للحالة النفسية للبطل ومع الدور المثير للشفقة الذي يؤديه وهو يتقمص شخصية المهرج لإخفاء معاناته. كما ساهمت اقتباسات الرواية إلى المانغا ذات الطابع المرعب على يد إيتو جونجي وفورويا أوسامارو، وإلى جانب النجاح الهائل لسلسلة المانغا والأنمي ”بونغو ستراي دوغز“، التي يظهر فيها دازاي أوسامو بوصفه إحدى الشخصيات الرئيسية، في زيادة شهرة رواية ”لم أعد إنسانا“ بين القراء الناطقين بالإنجليزية. وباتت الرواية اليوم تعد من الأعمال الكلاسيكية ذات مكانة خاصة في العالم الناطق بالإنجليزية.

مهرج حزين

تعد الرواية سهلة القراءة، وتمتاز بأسلوبها الصريح والمباشر، كما أن عنوانها يترك أثرا قويا في النفس. فالعنوان الياباني الأصلي ”نينغين شيكّاكو“ يجمع بين كلمتي ”إنسان“ و”فاقد للأهلية“، وهو ما يطرح قضية جوهرية تثير اهتمام كل إنسان وتدفعه للتأمل فيها. وفي الوقت نفسه، ينتاب القارئ شعور بأن الرواية تقرأ أفكاره، ما يثير فضوله ويزيد من تعلقه بها.

ولكن يبقى العنصر الأكثر جاذبية في الرواية هو الدور الذي يؤديه البطل والذي يتسم بطابع المهرج. ويتضح ذلك جليا في تعليقات القراء، مثل ”انفطر قلبي وأنا أرى يوزو يتصرف كمهرج“ و”لقد أسرني أداء يوزو لدور المهرج والطريقة التي أخذ بها هذا الدور ينكشف شيئا فشيئا“. ويمكن تفسير هذا السلوك على أنه صرخة تمرد صادرة عن شخص عجز عن الاندماج في المجتمع، بعد أن أمضى وقتا طويلا في الذبول والاستسلام لليأس.


مخطوطة دازاي أوسامو لرواية ”لم أعد إنسانا“ معروضة في شينتشوشا في شينجوكو بطوكيو (© جيجي برس)

تصور تصرفات يوزو بوصفها متأرجحة بين ثنائيات متناقضة مثل الاندماج والتميز والسكون والحركة والاختفاء والظهور والسلبية والسيطرة على زمام الأمور. وفي بعض الأحيان ينتقل بين الأدوار في لحظة. وهذا الطابع غير المتوقع هو ما يمنح القارئ الإثارة التي تميز الروايات التشويقية. كما أن الشخصيات الأخرى ترتدي أقنعة لإخفاء نفاقها، بينما يخفي يوزو خلف قناعه شره المصطنع، من خلال أخطائه المتعمدة.

هل كان إنسانا فاشلا حقا؟

يحاول بعض القراء استكشاف معان أعمق بين السطور، كما يتضح في التعليق التالي ”يقول يوزو إنه لم يعد إنسانا، لكن هل فشل حقا بوصفه إنسانا؟ أشعر بقدر كبير من الشك تجاه هذا الادعاء“.

فالرجل الذي عاش حياة تتسم بقدر كبير من النقاء هو نفسه من يعلن أنه لم يعد إنسانا. وهذا يثير تساؤلات عديدة، منها كيف ينبغي أن نصف المنافقين الذين يحيطون به؟ وكم واحدا منا يمتلك نزاهة إنسانية حقيقية؟

قد تبدو عبارة ”لم أعد إنسانا“ إعلانا صريحا، لكنها قد تكون في الحقيقة سؤالا موجها للقارئ. فحين يترك السرد الباب مفتوحا أمام تأويلات مختلفة، فإنه يشجع القارئ على التفكير، وهذه إحدى السمات الجمالية للرواية.

يقول يوزو في الرواية وفق ترجمة جولييت وينترز كاربنتر ”ما يحيرني هو مشهد البشر الذين يبدون في غاية النقاء والسعادة والسكينة، في الوقت الذي يمارسون فيه الخداع، أو الذين يثقون بقدرتهم على فعل ذلك“.

إنه يقول إن البشر يحيرونه، لكنه في الوقت نفسه يُظهر فهما عميقا لطبيعتهم الحقيقية. وهنا تكمن المفارقة بين سطور تنهداته أمام صعوبة فهمهم، إذ تختبئ بصيرته الثاقبة خلف قناع من الدهشة والارتباك.

ويقول يوزو إن تمثيل دور المهرج كان ”وسيلته الأخيرة لطلب الحب من البشر“، غير أنه يمكن النظر إليه أيضا باعتباره وسيلة للبحث عن حبه لنفسه. كما أن الجمهور الذي يوجه إليه تمثيله دور المهرج لا يقتصر على الأشخاص المحيطين به، بل يمتد إلى قراء الرواية أنفسهم، حتى تصبح الرواية كلها في حد ذاتها إيماءة تحمل طابع المهرج.

وتخفي الرواية استعارة أخرى. ففي الجزء الأول، حين يتحدث يوزو عن طفولته في فترة ما قبل الحرب، يصف كيف كان الناس ينتقدون التجمع الذي نظمه الحزب السياسي الذي ينتمي إليه والده أثناء عودتهم إلى منازلهم، ثم لا يلبثون أن يزوروا منزل والده ويمطرونه بالمديح مؤكدين أن الفعالية حققت ”نجاحا باهرا“. وبالنظر إلى أن الرواية نشرت عام 1948، فإن هذا المشهد يعكس التحول المفاجئ الذي شهده المجتمع الياباني بعد الحرب، حين بدأ أشخاص كانوا في السابق من مؤيدي النزعة العسكرية يرفعون فجأة شعارات الديمقراطية. وهذا التناوب بين السخرية الاجتماعية والتأمل الذاتي يمثل جانبا آخر من الجماليات الفريدة التي تتسم بها الرواية، وأحد الأسباب التي جعلتها عملا أدبيا خالدا.

وليست هذه الرواية عملا ”غريبا“ ينظر إليه فقط من خلال أصوله اليابانية، بل هي إحدى كلاسيكيات أدب المهمشين، إذ تطرح سؤالا حول الكيفية التي ينبغي أن يعيش بها الإنسان داخل المجتمع، ولعل هذا هو السبب الذي ساهم في انتشارها الواسع في جميع أنحاء العالم.

  • ترجمت رواية ”نينغين شيكّاكو“ لدازاي أوسامو إلى الإنجليزية بعنوان ”لم أعد إنسانا“ في ترجمتين لكل من دونالد كين وجولييت وينترز كاربنتر، كما ترجمت بعنوان ”حياة مخزية“ على يد مارك جيبو.

(المقالة الأصلية منشورة باللغة اليابانية في 22 يوليو/تموز 2026، الترجمة من الإنجليزية. صورة العنوان: دازاي أوسامو © كيودو، والنسخة الكورية من ”لم أعد إنسانا“ © كيم يونغ-أن).

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | «لم أعد إنسانًا».. كيف تحولت رواية دازاي أوسامو إلى ظاهرة أدبية في كوريا الجنوبية؟ لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار متعلقة :