يُعد «موغيتشا»، أو شاي الشعير، من أكثر المشروبات شعبية وانتشارًا في اليابان، ولا سيما خلال أشهر الصيف الحارة، حيث يوفر انتعاشًا طبيعيًا يخفف وطأة الحر. وفي هذه المقالة، نزور محمصة في طوكيو ما زالت تحافظ على أساليب التحميص التقليدية، وتختار أجود المكونات لإنتاج شاي شعير فاخر يعكس تقاليد عريقة تستحق الحفاظ عليها.
مشروب صيفي كلاسيكي يروي العطش
يتميز فصل الصيف في اليابان بالحرارة والرطوبة. فمجرد المشي لمسافة قصيرة إلى محطة القطار يجعلك غارقا في العرق. وفي هذا الوقت من العام، لا يوجد ما هو أفضل من كوب بارد جدا من ”موغيتشا (شاي الشعير المحمص)“ ليمنحك الانتعاش ويحافظ على ترطيب جسمك. وبفضل احتوائه على سعرات حرارية تكاد تكون معدومة، وخلوه تماما من الكافيين والسكر، فإنه يحظى بشعبية لدى الجميع، من الرضع إلى كبار السن، ويمكن شرب القدر الذي ترغب به.
في الوقت الحالي، يمكن العثور على موغيتشا معروضا للبيع في عبوات بلاستيكية من نوع PET، إلا أنه كان يحضّر تقليديا في كل منزل، إذ كانت كل أسرة تعده بنفسها. حيث يحمص الشعير أولا ثم يغلى في غلاية كبيرة مع الماء. وبعد أن يبرد، ينقل إلى إبريق زجاجي ويوضع في الثلاجة ليصبح باردا.
ولا تزال مطحنة كاواهارا للدقيق (Kawahara Seifun Mill) التي تقع في زاوية هادئة من منطقة سكنية في حي نيريما بطوكيو تعالج الشعير المخصص لإنتاج موغيتشا باستخدام الأساليب التقليدية. وقد تأسست هذه المطحنة عام 1940 خلال الحرب العالمية الثانية، ويديرها حاليا حفيد المؤسس كاواهارا واتارو.
ويقول لي ”مازلنا نصنعه بالطريقة نفسها منذ أكثر من ثمانين عاما، ولذلك حافظ على نكهته الأصلية“.

كاواهارا واتارو، المالك من الجيل الثالث لمطحنة كاواهارا للدقيق (© نومورا كازويوكي)
تحميص الشعير بالرمل يجعله يتفتح
تستخدم مطحنة كاواهارا للدقيق حصريا شعيرا محلي الإنتاج من صنف الشعير سداسي الصفوف، وتقوم بتحميصه باستخدام رمل السيليكا. أما منتجها المميز ”طوكيو موغيتشا“، فيصنع من شعير مزروع في محافظة ميياغي من دون استخدام المبيدات الزراعية. وتحمل عبوة هذا المنتج رسما توضيحيا لخبير تحميص يعمل أمام فرن مبني من الطوب.

قد تحقق أكياس الشاي (على اليسار) مبيعات أفضل، إلا أن نكهة حبوب الشعير المحمصة غير المعبأة (على اليمين) أغنى، حتى وإن كانت تحتاج إلى وقت أطول قليلا لتحضيرها (© نومورا كازويوكي)
وتبدو منطقة الإنتاج مطابقة تماما للرسم التوضيحي. ويشرح كاواهارا قائلا ”صممت هذا الرسم لكي يدرك الناس أن هذا المنتج يصنع يدويا بعناية، وأن إعداده يتطلب الكثير من الوقت والجهد“.

تدار أسطوانة حديدية كبيرة مملوءة بالرمل فوق ألسنة لهب متقدة داخل الفرن، حيث تُلقم حبوب الشعير داخل هذه الأسطوانة لتحميصها. ويقوم خبير التحميص بمراقبة الشعير أثناء عملية التحميص، مع تعديل لدرجة الحرارة وكمية الحبوب التي يتم وضعها في الفرن بشكل متواصل. (© نومورا كازويوكي)
يعتمد مبدأ عمل الرمل داخل الأسطوانة على نفس المبدأ المستخدم في طهي البطاطا الحلوة على الحجارة الساخنة. إذ تنبعث من الرمل شديد السخونة أشعة تحت حمراء بعيدة، ما يضمن وصول الحرارة إلى قلب حبوب الشعير. أما الشركات الكبرى فتستخدم تقنية التحميص بالهواء الساخن لتتمكن من تحميص كميات كبيرة من الشعير دفعة واحدة، إلا أن الشعير المحمص في فرن رملي يتمدد بدرجة أكبر بكثير، إذ يصل حجمه إلى نحو ثلاثة أضعاف حجمه الأصلي.
ويشبه الأمر إلى حد كبير طريقة تحضير الفشار. فالحرارة الناتجة عن الرطوبة الموجودة داخل حبوب الشعير تؤدي إلى تمددها، ويؤدي الضغط المتولد داخلها إلى تفتح القشور الخارجية، فيزداد حجم الحبوب. وفي حين تظل حبوب الشعير محاطة بقشورها الصلبة عند تحميصها بالهواء الساخن، أما التحميص بالرمل، الذي يحدث هذا التفتح، فيمنح الشعير نكهة أكثر عمقا.

شعير محمص بالرمل (في الأسفل) وشعير محمص بالهواء الساخن. ويظهر الفرق في الحجم بوضوح (© نومورا كازويوكي)
عمق النكهة الناتج عن اختلاف درجات التحميص
تمر عملية التحميص بمرحلتين. ففي المرحلة الأولى، يحمص الشعير عند درجة حرارة تبلغ حوالي 100 درجة مئوية لمدة 30 ثانية، ما يمنحه تحميصا خفيفا. أما في المرحلة الثانية، فترتفع درجة الحرارة إلى 300 درجة مئوية ويحمص الشعير لمدة 90 ثانية تقريبا. ونظرا لقصر مدة التحميص في كلتا المرحلتين، فإن العملية تتطلب سرعة كبيرة في اتخاذ القرار عند إجراء التعديلات اللازمة وتتأثر بعوامل عديدة، منها درجة الحرارة والرطوبة في ذلك اليوم، إضافة إلى نسبة الرطوبة في حبوب الشعير نفسها.
ويقول كاواهارا ”إن أفضل وقت لإيقاف عملية التحميص هي قبل أن يبدأ الشعير بالاحتراق مباشرة“. وهذا الأمر يتطلب بلا شك، مستوى عاليا للغاية من المهارة.

أعمدة من البخار تتصاعد من حبوب الشعير بعد انتهاء المرحلة الثانية من التحميص. (© نومورا كازويوكي)
وبالرغم من أن اختلاف لون حبوب الشعير المحمصة يعتبر مؤشرا على عدم تجانس عملية التحميص، إلا أن خبراء التحميص في مطحنة كاواهارا قادرون على ضبط العملية بدقة لتحقيق توازن مثالي بين التحميص الفاتح وتلك ذات التحميص الداكن. فالحبوب ذات اللون الفاتح تمنح الشاي مذاقا أكثر حلاوة، في حين تضفي الحبوب الداكنة لونا أعمق ورائحة أكثر غنى. ويسهم هذا التنوع في درجات التحميص في تعزيز الثراء العام لنكهة الشاي.

فحص الحبوب المحمصة. (© نومورا كازويوكي)
يستغرق الأمر نحو خمس سنوات ليصبح الشخص خبيرا في تحميص الشعير. ويتذكر كاواهارا أنه تعلم هذه الحرفة على يد والده، المالك السابق للمطحنة، الذي كان ينصحه بالحكم على درجة التحميص من خلال لون الحبوب. إلا أنه في بادئ الأمر لم يكن قادرا على تمييز الفروق الدقيقة بين درجات اللون على الإطلاق.
ويضم فريق العمل حاليا أربعة أشخاص يمتلكون المهارات اللازمة للقيام بهذه المهمة، ومن بينهم كاواهارا. ولا توجد في المطحنة أجهزة تكييف، كما ترتفع درجة الحرارة بالقرب من الفرن إلى 45 درجة مئوية. لذا، يرتدي خبير التحميص المسؤول عن الفرن سترة مزودة بمراوح تبريد، ويحرص على تعويض السوائل باستمرار وتناول كميات كافية من الأملاح للوقاية من الإصابة بضربة حر. وتعد بيئة العمل هذه شاقة للغاية، ولا سيما بالنسبة للعمال الأكبر سنا، ولذلك يقتصر الإنتاج اليومي على 800 كيلوغرام.

ضبط درجة الحرارة ومدة التحميص أثناء مراقبة عملية التحميص (© نومورا كازويوكي)
مشروب يومي يحظى بتقدير كبير
يعد موغيتشا مشروبا يوميا يُستمتع به بين أفراد الأسرة ومع الأصدقاء، ولا يقتصر تناوله على المناسبات الخاصة. ولهذا السبب تحديدا يحرص كاواهارا بشدة على الحفاظ على أصالته.
ويقول ”أدرك تماما أن حجم إنتاجنا لا يسمح لنا بمنافسة الشركات الكبرى من حيث السعر. قد تكون تكلفة الشاي الذي ننتجه أعلى قليلا، لكنني عازم على مواصلة بذل كل ما في وسعي لإنتاج موغيتشا لزبائننا الذين يؤكدون أن مذاقه هو الأفضل“.
ويتوافد الناس باستمرار إلى المطحنة لشراء موغيتشا. وأخبرني أحد الزبائن الدائمين، الذي وصل على دراجته الهوائية، أنه من محبي موغيتشا المحمص بالرمل الذي تنتجه مطحنة كاواهارا منذ ثلاثين عاما، وقال ”بمجرد أن تتذوق هذا الشاي، ستدرك أنه لا يمكن مقارنته إطلاقا بالأنواع المعبأة في عبوات. صحيح أنه يمكن تحضير أكياس الشاي هذه بالماء البارد، لكنه يكون أفضل إذا حضرت بالماء المغلي. وبعد الاستخدام، أعيد استخدام الشعير بخلطه مع تربة أصص النباتات“.

يشتري العديد من الزبائن المحليين الأكياس الكبيرة ذات الحجم الاقتصادي. (© نومورا كازويوكي)
ورغم احتمال وجود سوق لشاي موغيتشا ذي الجودة الأعلى، في ظل الازدهار الذي تشهده المنتجات اليابانية مؤخرا وتزايد الطلب من الزوار الوافدين إلى اليابان، إلا أن كاواهارا لا يفكر في اتباع مثل هذه الاستراتيجية. ويقول ”إننا نبيع حاليا أفضل منتج لدينا بهذا السعر. ولو أردنا طرح منتج بسعر أعلى، فسيتعين علينا استخدام مواد خام أكثر جودة وتعديل عملية التحميص بما يتناسب مع تلك الفئة السعرية“. ويرى أن رفع السعر لمجرد أن المنتج قد يحقق مبيعات جيدة ”أمر غير أخلاقي“.
إضافة إلى ذلك، مع بدء الطقس الدافئ في وقت أبكر وانتهائه في وقت متأخر من كل عام، يقول مازحا ”أصبحنا مشغولون لفترات أطول، لدرجة أننا لم نعد نجد الوقت لتطوير منتج جديد“.
الاستمرارية هي مفتاح النجاح
يصادف هذا العام الذكرى السادسة والثمانون لتأسيس المطحنة. وبينما يتطلع كاواهارا إلى مواصلة إدارة الشركة حتى تبلغ عامها المئة، فإنه يدرك أيضا أن الوقت قد حان للبدء في التخطيط للمستقبل وضمان استمرارية العمل.
وتتمثل أكبر العقبات أمام توريث عملية التصنيع إلى الجيل القادم في العمر الافتراضي للفرن. فبينما قام والده وجده ببناء الهيكل الخارجي من الطوب، إلا أن الأسطوانة الحديدية لا بد من استبدالها قريبا إذ بدأت تتآكل بفعل الزمن وكثرة الاستخدام.
وتكمن المشكلة في أن الشركة المصنعة للأسطوانة المستخدمة حاليا قد أبلغت كاواهارا بأنها لم تعد قادرة على إنتاج أسطوانة جديدة، لأن الحرفيين الذين كانوا يصنعونها تقدموا في السن ولم يعودوا قادرين على العمل. وعلى الرغم من أنه طلب عروض أسعار من شركات أخرى، فإن التكلفة ليست مرتفعة فحسب، بل هناك أيضا قلق حقيقي من أن يؤدي استبدال الأسطوانة إلى تغيير مذاق موغيتشا الذي ظلوا يسعون جاهدين للحفاظ عليه طوال هذه السنوات.
ولا بد من الإقرار بأن حماية هذا الإرث ليس أمرا تستطيع المطحنة القيام به بمفردها.

الطوب الذي وضعه والد كاواهارا وجده. (© نومورا كازويوكي)
يأمل كاواهارا في نقل الطريقة التقليدية لصناعة موغيتشا التقليدية إلى الجيل القادم، مع العمل في الوقت نفسه على توسيع مبيعاته في الأسواق الخارجية. ويشير إلى أن الاهتمام بهذا المشروب ازداد في السنوات الأخيرة، ليس في آسيا فحسب، بل أيضا في أوروبا والولايات المتحدة. يقول ”أريد أن يتعرف العالم بأسره على موغيتشا. فعندما كنت شابا، سافرت حول العالم حاملا حقيبة ظهر، وأود حقا أن أرى موغيتشا الذي أصنعه يباع في الأماكن التي زرتها“.
وتعد المشروبات المصنوعة من الشعير المحمص شائعة أيضا في أوروبا، لكن الفرق يكمن في أنها تستهلك هناك غالبا بوصفها بديلا للقهوة أكثر من كونها مشروبا منعشا يروي العطش. ففي إيطاليا يوجد مشروب ”كافيه دورزو (caffè d’orzo)“، بينما يوجد في إسبانيا وأمريكا اللاتينية مشروب ”كافيه دي سيبادا (café de cebada)“. ويحضر كلا المشروبين من الشعير المحمص المطحون، ويقدمان مع الحليب والسكر. لذلك قد تكون هذه الأسواق أكثر تقبلا لاستيراد موغيتشا من اليابان.
ويحتفظ كاواهارا بذكرى خاصة تعود إلى بضع سنوات مضت، عندما زار تايوان ورأى منتج ”طوكيو موغيتشا“ معروضا على رفوف أحد المتاجر الكبرى. ويقول ”كان سعره أعلى قليلا مما هو عليه في اليابان، لذلك كنت أتساءل إن كان سيباع أم لا، لكن مجرد وجوده هناك، وتمكن الناس من شرائه، كان أمرا مؤثرا بالنسبة لي“.
وهكذا، وبينما تحرص مطحنة كاواهارا للدقيق على الحفاظ على تاريخها العريق، تواصل في الوقت نفسه على توسيع قنوات مبيعاتها تدريجيا في الأسواق الخارجية. وفي هذه الأثناء، وبينما تعمل المطحنة بكامل طاقتها، تفوح في أرجاء المكان رائحة الشعير المحمص الزكية.

(© نومورا كازويوكي)
(النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: شاي ”طوكيو موغيتشا“، محضر بالماء الساخن في قدر © نومورا كازويوكي)
كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | موغيتشا.. مشروب الشعير المحمص الذي يرافق اليابانيين منذ أكثر من 80 عامًا لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.
كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.
