اليابان | رواية «سناك فوتاري» لهيرومي كاواكامي.. محطة أخيرة للأرواح قبل الرحيل

Advertisements

تبتكر الكاتبة اليابانية المرموقة عالميًا كاواكامي هيرومي عالمًا روائيًا جديدًا يمزج بين دفء الحياة اليومية ولمسات من الغرابة في روايتها الأحدث «سناك فوتاري»، التي صدرت في اليابان في يوليو/تموز 2026. وتدور أحداث الرواية في حانة ليلية صغيرة تديرها امرأتان، تجمع بينهما صداقة راسخة، فيما يتردد على المكان ليلًا زبائن من عالم آخر، أرواحًا لا تزال تحمل في داخلها أمورًا عالقة لم تجد طريقها إلى الحسم.

تتنوع أعمال هيرومي كاواكامي بين نمطين من العوالم الروائية. يتمثل الأول في الأعمال الرمزية ذات الطابع الجاد والعميق، مثل رواية «تحت عين الطائر الكبير»، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية العام الماضي.

وإلى جانب هذه الأعمال، هناك روايات مثل «طقس غريب في طوكيو»، التي أسرت قلوب الكثير من القراء عند صدورها للمرة الأولى في مطلع الألفية، وحظيت مؤخرًا بقاعدة جماهيرية متحمسة في الخارج. وتكمن جاذبية الروايات التي تندرج ضمن هذه الفئة الثانية في قدرتها على منح القراء فرصة للانغماس في عالم روائي ساحر، والتعرف عن كثب على الشخصيات التي تعيش فيه.

وتُعد رواية «سناك فوتاري»، أحدث أعمال كاواكامي المنشورة في اليابان، نموذجًا مثاليًا لهذه الفئة الثانية. وقد غمرتني فرحة عارمة بمجرد أن التقطت الكتاب وشعرت بوزنه المريح والمطمئن في يدي.

وتدور أحداث الرواية في «سناك بار»، وهي حانة صغيرة تقدم المشروبات والوجبات الخفيفة، تديرها امرأتان مجهولتا العمر.

وعلى غرار معظم الرجال اليابانيين من أبناء جيلي، قضيت وقتًا لا بأس به في الحانات الصغيرة. وتُعد هذه الحانات جزءًا راسخًا من الحياة الليلية اليابانية منذ عقود، وهي في الغالب محال صغيرة يشكل الزبائن الدائمون الجزء الأكبر من روادها.

وتقدم هذه الأماكن تشكيلة من المشروبات الأساسية والمأكولات البسيطة، مثل مشروب الشوتشو أو الويسكي الذي يُقدم من زجاجات محفوظة خلف المنضدة، وتحمل كل زجاجة اسم أحد الزبائن الدائمين. كما تتميز كل حانة منها بأجواء وطابع خاص يعكسان شخصية «ماما-سان»، وهي المرأة التي تدير المكان.

وفي الرواية، أُطلق على الحانة الخيالية اسم «فوتاري»، أي «شخصان»، تيمنًا بالمرأتين اللتين تديران المكان.

وتوجد بصفة عامة فئتان من حانات السناك: الأولى هي الحانات البراقة الواقعة في مناطق الترفيه الصاخبة والمضيئة بأضواء النيون الساطعة، مثل حيي جينزا وشينجوكو، والثانية هي الحانات البسيطة الموجودة في أطراف المدن، حيث قد تلمح لافتة صغيرة مضاءة معلقة خارج مبنى يقع في شارع جانبي هادئ وغير ملفت للأنظار بالقرب من محطة للقطارات.

ومن واقع تجربتي، يكمن الفرق الجوهري بين النوعين في أن الحانات الواقعة في مراكز المدن المزدحمة تعتمد غالبًا على جاذبية الإغراء ولمحات المغازلة، في حين يعتمد نجاح الحانات الموجودة في المناطق الأكثر هدوءًا بصورة كاملة على شخصية «ماما-سان» وقدرة المكان على توفير أجواء مريحة ودافئة يشعر فيها الزبائن الدائمون وكأنهم في بيوتهم.

وتنتمي حانة «سناك فوتاري» - ولعل هذا ليس مستغربًا، كونها حانة من وحي خيال الكاتبة كاواكامي هيرومي - بلا شك إلى النوع الأخير، وإن كانت تفتقر إلى أي تفاصيل تتيح للقارئ تخيل موقعها.

وتتولى كل من تسوكاسا وإيتسوكو دور «ماما-سان». ورغم أنهما لم تعودا شابتين بوضوح، فإن عمرهما الدقيق يظل لغزًا، بل إننا لا نعرف شيئًا تقريبًا عن خلفيتهما أو عن الكيفية التي انتهى بهما المطاف إلى إدارة الحانة معًا.

ولعل المعلومة الوحيدة المتاحة لنا عنهما هي أنهما عازبتان، ومن المؤكد أن هذا الشح في المعلومات عن ماضيهما يعكس قرارًا متعمدًا من جانب المؤلفة.

تتكون الرواية من ست قصص قصيرة مترابطة.

وتشكّل الحانة الصغيرة المتواضعة التي تديرها تسوكاسا وإيتسوكو مسرحًا للأحداث والقصص التي تتكشف فصولها مع توافد الزبائن المعتادين إلى المكان، واحدًا تلو الآخر، بعد عناء يومهم الطويل.

ومن الناحية البنائية، يتألف الكتاب من سلسلة من القصص القصيرة المترابطة، تدور أحداثها جميعًا داخل أروقة الحانة التي تحمل الرواية اسمها، ويتمحور السرد في كل مرة حول زائر جديد. ومما يضفي متعة خاصة على هذه القصص الحوار العفوي والمقنع الذي يدور بين المرأتين اللتين تديران المكان.

وتتناول أحاديثهما تعاقب الفصول والخبرات التي يكتسبها المرء مع تقدمه في العمر، لكنها تكتسب حيوية خاصة حين تناقشان زبائنهما وضيوفهما المعتادين، مستخدمتين تعبيرات وأساليب لغوية تميزهما. وقبيل موعد افتتاح الحانة كل مساء، تتبادل المرأتان أطراف الحديث حول أحداث الليلة السابقة، وهي محادثات تبرز مهارة كاواكامي الفذة ككاتبة.

ورغم أن تعليقاتهما قد تتسم أحيانًا ببعض الحدة، فإنها تخلو تمامًا من القسوة الحقيقية أو الرغبة في الحط من شأن الآخرين. بل تفيض كلماتهما برقة ترافق التقدم في العمر، وتتسم بحكمة وفهم للطبيعة البشرية تشكّلا عبر سنوات من الملاحظات المتأنية.

وفي الواقع، وكما أشارت المؤلفة نفسها في أحد المواضع، يشبه الكتاب قصص «الرفيق»، حيث تكون الشخصيتان الرئيسيتان امرأتين مسنتين. وتضفي الثقة الواضحة بينهما على القصص طابعًا دافئًا وشاعريًا.

وهناك سمة مهمة أخرى للرواية.

فالضيوف الذين يظهرون في كل قصة هم زوار من العالم الآخر، أو بعبارة أخرى، أشباح. ومن بينهم عم شاب لأحد الزبائن الدائمين، توفي قبل أن يحقق طموحه في أن يصبح مغنيًا، وكذلك والدة صاحب مطعم شعبي يقدم أسياخ الدجاج المشوي، تتردد على المكان من حين إلى آخر.

إنهم أشباح أشخاص اضطروا إلى مغادرة هذا العالم بينما كانت لا تزال لديهم أمور مهمة عالقة لم تُنجز. ومن هذا المنطلق، يمكن مقارنة هذه القصص بمسرح النو الياباني، وتحديدًا بنمط «موغن نو»، حيث تظهر روح لشخص ميت أمام كاهن مسافر لتروي له خيبات الأمل أو مشاعر الاستياء التي تحول دون نيلها السكينة، قبل أن تؤدي رقصة تعبيرية.وبالطبع، لا تشبه أي من هذه القصص المصير المأساوي لعشيرة الهيكي الذين ألقوا بأنفسهم في البحر عقب هزيمتهم في معركة داننوأورا. وفي معظم الأحيان، تتناول هذه القصص أوجه الندم اليومية التي قد يشعر بها أي شخص، كالتعلّق بأشخاص تركوهم وراءهم، أو ببساطة حيرة أرواح عاجزة عن التلاشي. وفي كثير من الحالات، بالكاد كانت هذه الأحداث الهادئة لتشكّل قصة بالمعنى الحقيقي لو وقعت بين يدي كاتب أقل موهبة.

وفي حانة سناك فوتاري، تبوح تلك الأرواح الأثيرية بمكنوناتها ثم تتلاشى، بعد ما يبدو وكأنها نالت تطهيراً لروحها. إذ يبدو المكان وكأنه بوابة خروج أو محطة رحيل تعود منها الأرواح إلى العالم الآخر.

وعند هذه النقطة، ربما أصلُ إلى إجابة السؤال الذي كان يراودني في البداية.

لا يعرف القراء تقريباً أي شيء عن ماضي تسوكاسا وإيتسوكو، إذ لم يُذكر حتى شيء عن عمريهما أو ملامحهما الجسدية. ويبدو لي أن السبب وراء ذلك يعود إلى أن الحانة نفسها ليست من هذا العالم، فهي أشبه بحيزٍ حالمٍ تقضي فيه السيدتان المُسنتان سنوات عمرهما الأخيرة، ولهذا السبب تحديداً جرى إغفال تفاصيل سماتهما عمداً. إن هذه الحانة ليست مجرد مكان مثالي للزبائن المعتادين الذين يقضون أمسياتهم فيها، بل هي أيضاً عالم مثالي لهاتين السيدتين اللتين تعيشان بمفردهما وقد بلغتا مرحلة الشيخوخة.

وعلى مدى سنوات طويلة عانت حانات الوجبات الخفيفة الصغيرة من صورة نمطية توحي بالقدم أو الطابع العتيق الباهت. لكن في الآونة الأخيرة، مع تنامي موجة الحنين إلى الماضي المرتبطة بحقبة شووا (1926-1989)، أشعر أنه حتى الموظفين الشباب باتوا يدركون جاذبية هذه الحانات ويقدرونها. وإذا ما صحّ هذا الانطباع، فقد تسلك هذه الرواية مساراً مشابهاً لرواية طقس غريب في طوكيو وتحظى بدورها بمكانة مميزة ومستدامة لدى القراء.

وبالنسبة لي، جعلني الوقت الذي قضيته في قراءة الرواية أشعر وكأنني أجلس بنفسي على أحد مقاعد حانة سناك فوتاري، منصتاً إلى أحاديث الـ ماما-سان اليومية العادية التي قد تبدو تافهة لكنها مألوفة وتبعث على الطمأنينة. إنه مكان يفيض بالراحة والسكينة، حيث يتجسد مرور الوقت الهادئ ببراعة فائقة في أسلوب كاواكامي النثري البسيط والمفعم بالدلالات.

غير أن ساعتين هما عادةً المدة المناسبة لقضائها في إحدى الحانات الصغيرة، فالبقاء لفترة أطول قد يدفعك للإفراط في الشرب، أو يجعلك تقول ما لا ينبغي قوله، أو يجعلك تدفع الثمن في اليوم التالي، ناهيك عن التكلفة المادية.

لقد حان الوقت للنهوض عن المقعد والخروج على وقع رنين الجرس المعلّق فوق الباب، والعودة إلى عالم الواقع اليومي.

يا ماما-سان! أعتقد أن الوقت قد حان لأدفع الحساب وأمضي في طريقي.

  • تُرجمت رواية (أووكينا توري ني سارواريناي يـو) إلى تحت عين الطائر الكبير بقلم آسا يونيدا.
  • تُرجمت رواية (سينسيه نو كابان) إلى طقس غريب في طوكيو بقلم أليسون ماركين باول.

رواية سناكّو فوتاري (سناك فوتاري)

تأليف كاواكامي هيرومي
إصدار دار نشر تشوو كورونشينشا عام 2026
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-4-12-006037-3

(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية في 21 أغسطس/ آب 2026، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان الرئيسي: غلاف رواية سناك فوتاري. © دار تشوو كورونشينشا للنشر)

كانت هذه تفاصيل خبر اليابان | رواية «سناك فوتاري» لهيرومي كاواكامي.. محطة أخيرة للأرواح قبل الرحيل لهذا اليوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكاملة ولمتابعة جميع أخبارنا يمكنك الإشتراك في نظام التنبيهات او في احد أنظمتنا المختلفة لتزويدك بكل ما هو جديد.

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على نيبون وقد قام فريق التحرير في الخليج 365 بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

أخبار متعلقة :