شكرا لقرائتكم خبر عن لماذا ترتفع مشتريات الهند من الغاز الطبيعي المسال رغم ارتفاع الأسعار؟ والان مع بالتفاصيل
دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم تشهد واردات الهند من الغاز الطبيعي المسال ارتفاعاً ملحوظاً رغم أن أسعار الغاز في آسيا تعد من الأعلى منذ سنوات، في خطوة تتعارض مع النمط السائد في المنطقة، حيث دفعت الأسعار المرتفعة العديد من الدول إلى تقليص الطلب والتحول نحو الفحم والطاقة النووية وترشيد استهلاك الطاقة.
فبعد أن أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي في الثاني من مارس، وإغلاق مضيق هرمز بشكل شبه متزامن، فقدت آسيا ما بين 5.5 ملايين و6 ملايين طن شهرياً من إمدادات الغاز الطبيعي المسال، أي ما يعادل نحو ربع تدفقات التصدير الإقليمية قبل الأزمة.
وانخفضت واردات آسيا من الغاز الطبيعي المسال إلى 18.8 مليون طن في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020، بينما قفزت أسعار الغاز الآسيوية من 10.4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية قبل الأزمة إلى 25.3 دولاراً بحلول أواخر مارس.
وقلّصت كوريا الجنوبية وارداتها من الغاز الطبيعي المسال بمقدار مليون طن شهرياً بين فبراير وأبريل، بينما خفضت اليابان مشترياتها بمقدار 1.5 مليون طن شهرياً خلال الفترة نفسها.
لكن الهند تحركت في الاتجاه المعاكس. فبعد تراجع وارداتها من 1.9 مليون طن في فبراير إلى 1.67 مليون طن في مارس، عادت لترتفع إلى 2.1 مليون طن في مايو.
ويعد هذا الانتعاش لافتاً بشكل خاص لأن الهند فقدت مورّدها التقليدي الأهم. فقد كانت قطر تمثل 11.2 مليون طن من أصل 25 مليون طن من واردات الهند من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، أي ما يعادل نحو 45% من إجمالي الواردات، ما جعلها المصدر الأكثر أهمية للهند بفارق كبير.
ومع اختفاء الغاز القطري عملياً من تدفقات الاستيراد الهندية، لجأت نيودلهي إلى تعويض الكميات المفقودة عبر شحنات من سلطنة عمان ونيجيريا والولايات المتحدة.
وزادت الولايات المتحدة صادراتها إلى الهند بأكثر من ستة أضعاف، من 137 ألف طن في يناير إلى 907 آلاف طن في مايو، لتصبح أكبر مورّد للغاز الطبيعي المسال للهند.
كما ضاعفت نيجيريا شحناتها الشهرية إلى 480 ألف طن في مايو، بينما بلغ متوسط صادرات سلطنة عمان نحو 500 ألف طن شهرياً خلال مارس وأبريل قبل أن يتراجع إلى 300 ألف طن في مايو.
الطقس وليس الطلب الهيكلي يقود الموجة الجديدة
لا يعود الدافع وراء اندفاع الهند المتجدد نحو الغاز الطبيعي المسال إلى نمو هيكلي في الطلب على الغاز، بل إلى الطقس القاسي.
فقد قفز استهلاك الكهرباء في الهند بأكثر من 11% على أساس سنوي ليصل إلى 164.98 مليار كيلوواط/ساعة في مايو 2026، بعدما تجاوزت درجات الحرارة 45 درجة مئوية في أجزاء واسعة من البلاد، ما جعل أجهزة التكييف ومبردات الهواء الصحراوية ضرورة أساسية للبقاء.
وسجل الطلب الأقصى على الكهرباء مستويات قياسية خلال أربعة أيام متتالية بين 17 و21 مايو، ليصل إلى مستوى تاريخي بلغ 270.82 غيغاواط في 21 مايو، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في مايو 2024 والبالغ 250 غيغاواط.
وكشفت موجة الحر عن نقطة الضعف الأساسية في نظام الكهرباء الهندي سريع التحول نحو الاعتماد على الطاقة المتجددة، إذ تمتلك البلاد كميات هائلة من الطاقة الشمسية في ساعات غير مناسبة، بينما تفتقر إلى قدرات التخزين الكافية بعد غروب الشمس.
وشهدت قدرة الهند المركبة من الطاقة الشمسية نمواً كبيراً خلال الفترة الأخيرة، لتصل إلى 154.2 غيغاواط بحلول أبريل 2026.
ويعكس هذا النمو مجموعة من البرامج الحكومية، تشمل دعم أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل، وتوسيع المجمعات الشمسية الضخمة، وتحفيز تصنيع ألواح الطاقة الشمسية محلياً.
ويؤدي هذا التوسع في إنتاج الكهرباء الشمسية حالياً إلى دفع أسعار الكهرباء خلال ساعات النهار نحو الصفر تقريباً عندما يكون الإنتاج وفيراً.
لكن قدرات البطاريات والتخزين لم تواكب هذا النمو، ما يعني أن فائض الكهرباء الشمسية نهاراً لا يمكن استخدامه لتغطية الطلب المسائي والليلي.
ومع استمرار الطقس الحار، تبقى المدن شديدة الحرارة ليلاً، ويظل الطلب على التبريد مرتفعاً، ما يؤدي إلى قفزات في الأسعار.
وفي 21 مايو، يوم تسجيل الطلب القياسي التاريخي، واجهت الهند عجزاً ليلياً في الكهرباء بلغ 2.5 غيغاواط.
الغاز الطبيعي المسال كحل طارئ رغم تكلفته
في هذه اللحظات تحديداً، يتم سحب الغاز الطبيعي المسال إلى الشبكة الكهربائية حتى وإن كان غير اقتصادي من حيث التكلفة.
وفي أوائل أبريل، أصدرت وزارة الطاقة الهندية توجيهات لجميع محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز للاستعداد للتشغيل خلال فترات نقص الكهرباء المرتبطة بموجات الحر.
وكان جزء كبير من أسطول محطات الغاز في الهند متوقفاً لأسباب تجارية، إذ تعد البلاد منتجاً رئيسياً للفحم وتعتمد منذ فترة طويلة على الفحم المحلي في توليد الكهرباء.
ويغطي الفحم وحده نحو ثلثي الطلب على الكهرباء، بينما شكلت الطاقة الحرارية إجمالاً نحو 71% من إنتاج الكهرباء في مايو، ومعظمها من محطات تعمل بالفحم.
أما الكهرباء المولدة بالغاز فلا تسهم إلا بنحو 10 غيغاواط خلال فترات ذروة الطلب، رغم أن القدرة القصوى المتاحة تبلغ نحو 20 غيغاواط، وهو ما يمثل حوالي 4% فقط من إجمالي القدرة المركبة وقرابة 1.5% من الإنتاج الفعلي.
وتحدث أزمات الكهرباء عادة على الهامش وليس طوال اليوم، ما يجعل الغاز مهماً رغم تكلفته المرتفعة.
فمحطات الغاز يمكن تشغيلها لفترات ليلية قصيرة، على عكس محطات الفحم الأكثر ملاءمة للعمل الأساسي طويل الأمد.
ورغم أن أسعار الغاز الآسيوية لا تزال تدور حول 18 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ما يجعل توليد الكهرباء بالغاز غير مجدٍ تجارياً إلى حد كبير، فإن الترتيبات الحكومية تسمح لشركة «غريد إنديا» بتحديد ساعات تشغيل محطات الغاز مسبقاً بعدة أيام، ما يجعلها بمثابة قدرة احتياطية للطوارئ.
الفحم والطاقة الكهرومائية لا يكفيان
ولا تستطيع محطات الفحم حل جميع الاختناقات، إذ إنها تتحمل بالفعل معظم الأحمال، كما أن نحو 2.1 غيغاواط من القدرة العاملة بالفحم غير متاحة حالياً بسبب أعمال الصيانة أو الأعطال.
كما تواجه محطات أخرى قيوداً لوجستية وحدوداً في سرعة زيادة الإنتاج.
وقد جرى بالفعل رفع تشغيل محطات الفحم المستورد، التي تقع غالباً على السواحل، والتي تعمل عادة بمعدلات استخدام منخفضة خارج مواسم ذروة الطلب، ولهذا تشهد الهند عادة ارتفاعاً موسمياً في واردات الفحم خلال أواخر الربيع والصيف.
أما الطاقة الكهرومائية، التي يمكن أن توفر خياراً مرناً آخر، فتواجه مشكلة التوقيت غير المناسب.
فالطاقة الكهرومائية الكبيرة تمثل نحو 51 غيغاواط، أي حوالي 10% من القدرة المركبة، ويمكنها زيادة الإنتاج أسرع من الفحم أو الغاز دون تكاليف وقود.
لكن الهند تمر حالياً بمرحلة ما قبل الرياح الموسمية، حيث تكون الخزانات قد استنزفت جزئياً.
وفي 30 مايو، بلغ إنتاج الطاقة الكهرومائية 15 غيغاواط، أي أقل بنسبة 18% من المستهدف الذي حددته الهيئة المركزية للكهرباء.
وكان من المفترض أن تعيد الرياح الموسمية المقبلة، التي توفر عادة نحو 70% من الأمطار السنوية، ملء الخزانات المنخفضة وتعزز الآمال في مساهمة الطاقة الكهرومائية بتخفيف الأزمة.
لكن هذا العام يبدو مختلفاً.
فمن المتوقع أن تؤدي ظاهرة «سوبر نينيو» إلى إضعاف الرياح الموسمية، وربما تدفع هطول الأمطار إلى أدنى مستوى له منذ 11 عاماً، مع تأخر بدايتها إلى أواخر يونيو.
كما أن انخفاض الأمطار يعني استمرار درجات الحرارة المرتفعة لفترة أطول، ما يزيد المخاوف من استمرار نقص الكهرباء لفترة ممتدة ستظل بحاجة إلى تغطية.
الغاز الطبيعي المسال وقود الأزمة الصيفية
كل ذلك يترك الغاز الطبيعي المسال باعتباره الوقود الهامشي لأزمة الكهرباء الصيفية في الهند.
ومن الناحية النظرية، تستطيع الهند مضاعفة إنتاج الكهرباء بالغاز من 10 غيغاواط حالياً إلى نحو 20 غيغاواط.
ومع بقاء درجات الحرارة خلال الشهرين الماضيين أعلى بنحو درجتين مئويتين من المعدلات الموسمية، فقد يشهد شهرا يونيو ويوليو المزيد من مشتريات الغاز الطبيعي المسال.
والمفارقة أن الهند تستورد المزيد من الغاز الطبيعي المسال ليس لأن الغاز أصبح رخيصاً، بل لأن البدائل الأخرى تواجه قيوداً كبيرة.
ففي معظم أنحاء آسيا، تؤدي الأسعار المرتفعة للغاز الطبيعي المسال إلى تدمير الطلب، أما في الهند فإن الحرارة الشديدة، والفجوة بين الطاقة الشمسية والتخزين، والحاجة إلى كهرباء ليلية يمكن الاعتماد عليها، كلها عوامل تبقي الطلب على الغاز حياً.
وإلى أن تتمكن نيودلهي من تخزين طفرتها الشمسية، ستواصل شراء الغاز الباهظ الثمن للبقاء خلال ليالي الصيف الهندية المظلمة والحارة.
أخبار متعلقة :