الارشيف / الاقتصاد

هل تايوان هي ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها الولايات المتحدة لإجبار الصين على الانصياع بشأن إيران؟

هل تايوان هي ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها الولايات المتحدة لإجبار الصين على الانصياع بشأن إيران؟

شكرا لقرائتكم خبر عن هل تايوان هي ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها الولايات المتحدة لإجبار الصين على الانصياع بشأن إيران؟ والان مع بالتفاصيل

دبي - بسام راشد - أخبار الفوركس اليوم هناك دائمًا طرف رابح في أي أزمة نفط عالمية كبرى. ففي عامي 1973 و1974، كانت وشركاؤها في منظمة «أوبك» هم المستفيدين، بعدما نقلوا ميزان القوى في السوق بعيدًا عن الترتيبات السابقة التي كانت تهيمن عليها «الأخوات السبع» الغربية، لصالح الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط.

وبعد حرب أسعار النفط بين عامي 2014 و2016، كانت الولايات المتحدة هي الرابح، إذ تمكن قطاع النفط الصخري الأمريكي، الذي كان لا يزال في بداياته، من مقاومة التهديد الذي شكلته السعودية و«أوبك» لوجوده، وأعاد تنظيم نفسه ليصبح قطاعًا أكثر كفاءة وأقل تكلفة في الإنتاج. وكانت الولايات المتحدة أيضًا الرابح في حرب أسعار النفط القصيرة التي اندلعت عام 2020.

وقد جرى تحليل هذه الأزمات وغيرها بالتفصيل في كتابي الأخير عن أسواق النفط العالمية.

أما أحدث اضطراب في النظام العالمي لسوق النفط، والذي أعقب عملية «الغضب الملحمي» الأمريكية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير، فقد أفرز بدوره رابحًا واضحًا. وهذا الرابح ليس الولايات المتحدة ولا السعودية ولا دول «أوبك» الأخرى، وإنما الصين.

والسؤال الآن هو: إلى أي مدى ستكون بكين مستعدة للاستجابة للعقوبات التي أعلنتها واشنطن مؤخرًا على إيران، قبيل الاجتماع المقرر بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم 24 سبتمبر؟
العقوبات الأمريكية وأوراق الضغط الصينية

أعلنت العقوبات المذكورة في 20 أغسطس من جانب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي وصفها بأنها ستكون «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، في إطار ما أطلق عليه «يوم القيامة الاقتصادي» بالنسبة إلى البلاد.

وتهدف العقوبات المباشرة المفروضة على إيران إلى عزل النظام ماليًا بشكل كامل وشل اقتصاده، من خلال قطع جميع مصادر الإيرادات المحلية والدولية. ولهذا الغرض، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية خمسة قطاعات أساسية في الاقتصاد الإيراني على القائمة السوداء، وهي الأصول الرقمية والعملات المشفرة، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن، بحيث تصبح أي شركة تعمل في هذه القطاعات عرضة للتجميد الفوري لأصولها.

وفي الوقت نفسه، جرى تعليق جميع الإعفاءات الإنسانية والأكاديمية والرياضية والتحويلات الشخصية القائمة منذ فترة طويلة إلى أجل غير مسمى، بما في ذلك فرض حظر كامل على التحويلات المالية غير التجارية بين أفراد الأسر، وكذلك التعاون البحثي المشترك.

وبالتوازي مع ذلك، وُضعت شركة خطوط الشحن البحري لجمهورية إيران الإسلامية «إيريسل» وأسطول الطيران التجاري تحت حظر تشغيلي صارم، ما يحرمها من الوصول إلى الموانئ الأجنبية وإعادة التزود بالوقود وقطع غيار الطائرات. كما فُرضت تجميدات فورية للأصول على شبكات المشتريات ووحدات الحرب السيبرانية والتكتلات التجارية المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني.

وبالتزامن، ستستخدم وزارة الخزانة الأمريكية والجهات التابعة لها العقوبات الثانوية بشكل كامل لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاختيار بين التعامل التجاري مع إيران أو التعامل مع الولايات المتحدة، في إطار ما أطلق عليه «عملية المنبوذ الاقتصادي».

ويهدف ذلك إلى عزل طهران ماليًا بصورة كاملة، من خلال قطع ما تبقى من شرايينها الاقتصادية. ولهذا الغرض، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل نحو 60 كيانًا وشخصًا وسفينة على القائمة السوداء، مع تركيز كبير على الوسطاء في هونغ كونغ والبر الرئيسي الصيني والإمارات العربية المتحدة وسنغافورة وأوروبا.

وتظل أقوى أداة لدى الولايات المتحدة، كما كانت لسنوات، هي حرمان المخالفين من استخدام نظام الدولار الأمريكي. فأي بنك أجنبي يعالج مدفوعات مقابل النفط الإيراني أو يخفي مصدر الأموال الإيرانية سيُمنع من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، كما سيُحظر عليه تسوية المعاملات بالدولار.

وستُضاف الشركات التابعة لأطراف ثالثة، مثل الشركات الوهمية ومكاتب صرف العملات في دبي وهونغ كونغ وسنغافورة التي تسهل التجارة الإيرانية، إلى قائمة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي. وفي الوقت نفسه، ستواجه شركات النقل البحري الدولية وشركات التأمين ومديرو السفن ومشغلو الموانئ عقوبات مالية شديدة وتجميدًا للأصول إذا قدموا خدمات أو تأمينًا لأي ناقلات نفط إيرانية مدرجة على القائمة السوداء.

وفي نهاية المطاف، سيُحظر على أي شركة أجنبية تنتهك هذه القواعد تصدير السلع إلى الولايات المتحدة أو الدخول في شراكات مع الشركات الأمريكية.

لكن الصين أثبتت مرارًا قدرتها الكبيرة على تحمل مثل هذه العقوبات المفروضة على إيران لفترات طويلة، من خلال مزيج من الأساليب القديمة المجربة والتكتيكات الجديدة.

وتشمل الأساليب القديمة استخدام البنوك التجارية غير المرتبطة بالنظام المالي الغربي، والتي كان بنك «كونلون» أبرز مثال تاريخي عليها، إذ لا تمتلك هذه البنوك أي انكشاف على الأصول الغربية أو الدولار الأمريكي، وتعمل فقط على تسوية مدفوعات النفط بالعملة المحلية.

ومن الأساليب الأخرى استخدام المصافي الصغيرة والمستقلة والإقليمية، المعروفة باسم «المصافي الصغيرة»، والتي لا تمتلك بدورها عمليات دولية.

كما تستفيد الصين من الآليات الواردة في الاتفاقية الشاملة للتعاون بين إيران والصين لمدة 25 عامًا، والتي تشمل ترتيبات لمقايضة النفط الإيراني بالبنية التحتية والسلع الصناعية واتفاقيات التكنولوجيا الصينية.

وربما كان الإجراء الأهم بين الأدوات الجديدة هو توسيع الصين لنظام الدفع بين البنوك عبر الحدود «CIPS». إذ يعمل النظام الآن عبر بنية تحتية آمنة ومستقلة لاستضافة أنظمة المراسلة في الصين، بما يوفر بديلًا فعليًا لنظام «سويفت»، ويجعل المعاملات أقل وضوحًا بالنسبة إلى وزارة الخزانة الأمريكية.

وبالتوازي مع ذلك، تستخدم الصين وإيران رموزًا رقمية معتمدة من الدولة ومجمعات سيولة للتمويل اللامركزي لإخفاء مدفوعات النفط بمعدلات غير مسبوقة.

وتمتلك الصين أيضًا أوراق ضغط أوسع تتيح لها التعامل مع المبادرة الأمريكية الجديدة للعقوبات بقدر من الاهتمام وربما السخرية، بدلًا من القلق.

فعلى سبيل المثال، تسيطر الصين على نحو 85% من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة في العالم، وأكثر من 98% من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة. ومن دون العناصر الأرضية النادرة الصينية، لا تستطيع الولايات المتحدة تصنيع معداتها العسكرية المتقدمة، أو تشغيل الصناعات عالية التقنية، أو تنفيذ تحولها نحو الطاقة الخضراء.

وبعد أن أطلق ترامب في 2 أبريل ما وصفه بـ«تعريفات يوم التحرير» الشاملة، بما في ذلك الرسوم المفروضة على الصين، لم تتردد بكين في الرد عبر فرض قيود بيروقراطية خانقة، أجبرت المصدرين على الحصول على تراخيص حكومية صارمة، قبل أن تقوم بكين بتأخير أو رفض تلك التراخيص بشكل منهجي لوقف شحنات العناصر الثقيلة الحيوية إلى الولايات المتحدة.

ويُعد ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت واشنطن تتردد في فصل البنوك الصينية الكبرى من المستوى الأول بشكل كامل عن نظام الدولار الأمريكي.

وهناك سبب آخر يتمثل في تحول الصين إلى اللاعب المرجح الرئيسي في سوق النفط العالمية منذ أن أطلقت الولايات المتحدة «عملية الغضب الملحمي» قبل أكثر بقليل من ستة أشهر.

فبدلًا من التأثير في أسعار النفط بشكل أساسي عبر جانب المعروض، كما فعلت السعودية و«أوبك» والولايات المتحدة في الماضي، قامت الصين بالشيء نفسه من خلال خفض الطلب بصورة ضخمة.

وبشكل أكثر تحديدًا، خفضت الصين مشترياتها من النفط الخام بما يصل إلى 5.8 مليون برميل يوميًا، أو نحو 50%، مقارنة بمستوى عام 2025 البالغ قرابة 12 مليون برميل يوميًا، لتصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا بحلول يونيو 2026.

وبحسب تحليلات السوق، أدى ذلك وحده إلى خفض سعر خام برنت بأكثر من 30 دولارًا للبرميل.

وقد حققت الصين ذلك بشكل أساسي من خلال السحب من احتياطياتها النفطية المخزنة، والتي تُقدر بنحو 1.5 مليار برميل، وحظر صادرات الوقود المكرر، ما أدى إلى خفض مشترياتها اليومية من إمدادات النفط العالمية.

ورغم أن هذه الإجراءات لم تُبقِ أسعار النفط ضمن «النطاق النفطي لترامب»، كما جرى تحليله في كتابي الأخير عن أسواق النفط العالمية، فإنها خفضت الأسعار إلى مستويات حدت من الألم الاقتصادي الهائل الذي كان سيصيب عددًا من الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، لولا ذلك.

لكن موقف الصين من الإبقاء على هذه الإجراءات يمكن أن يتغير بالسرعة نفسها التي بدأ بها.

وباعتبارها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على أكثر من 80% من النفط الذي تشحنه الجمهورية الإسلامية، وبخصومات كبيرة يفرضها اتفاق السنوات الـ25 التاريخي، أوضحت الصين عبر المتحدث باسم وزارة خارجيتها لين جيان الأسبوع الماضي أنها ستحمي مصالحها في مواجهة ما وصفته بـ«العقوبات الأحادية غير القانونية».

وأضاف أن الصين ستتخذ «جميع الإجراءات اللازمة» لحماية حقوقها، قائلًا: «لطالما جرى التعاون بين الصين وإيران في إطار القانون الدولي، ولا ينبغي التدخل فيه أو تعطيله».

وفيما يتعلق بكيفية استهداف الولايات المتحدة للصين بسبب تعاملها التجاري مع إيران، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت: «نحن واثقون من أن الجميع يريد إعادة فتح المضيق [مضيق هرمز]، وأن تعود أسعار الطاقة إلى الانخفاض... تذكروا أن الصين تحصل على 50% من طاقتها من داخل الخليج، لذا سيكون من مصلحتها أن تنضم إلى المسار».

وبالنظر إلى استمرار الصين في تزويد إيران بالتكنولوجيا والمعدات التي استُخدمت في حربها المستمرة مع الولايات المتحدة، رغم المخاوف من رد واشنطن، فمن الصعب تحديد نوع الضغط الذي يمكن أن تمارسه واشنطن على بكين خلال اجتماع ترامب وشي في سبتمبر.

وربما تكمن الإجابة في نوع من التفاهم يمكن التوصل إليه بشأن الإجراءات الأمريكية في إيران مقابل مصالح الصين في تايوان.

فبحسب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق وليام بيرنز، أصدر شي أمرًا لجيشه بأن يكون مستعدًا لشن غزو ناجح لتايوان بحلول عام 2027.

Advertisements